العلامة المجلسي ( تعريب : ميلاني )

75

عين الحياة

فكذلك حال الرجل الصالح العارف لربه ، المتكلم والمناجي معه دائما ، فانّه يتلقّى لطف الرب وإحسانه ، ويزداد يقينه بكثرة العبادة يوما فيوما ، وليس شيء عنده أظهر ولا أوضح من وجود واجب الوجود ، فيأتي المتفلسف البعيد عن اللّه ويقول له : لا بد أن تعرف الرب عن طريق بطلان الدور والتسلسل ، وتعلم بوجوده عن طريق الآثار ، والّا لم تكن كامل الايمان . وكذلك الحال في اثبات أصل الصفات الكمالية على نحو الاجمال ، كالعلم والقدرة والإرادة وسائر الأوصاف الكمالية ، فالمتفكر في غرائب الصنع ، ولطائف الحكم الإلهية الموجودة في الآفاق والأنفس ، لا يبقى في نفسه شك من وجودها وثبوتها ، ولو خفيت على هذا الشخص حكم بعض الأشياء ، فانّه يعلم مجملا انّ خالق هذا الخلق ، ومدبّر هذا الكون لا يفعل من دون حكمة . كما قال الإمام الصادق عليه السّلام في توحيد المفضل : « . . . فهم في ضلالهم وغيّهم وتجبّرهم بمنزلة عميان ، دخلوا دارا قد بنيت أتقن بناء وأحسنه ، وفرشت بأحسن الفرش وأفخره ، وأعد فيها ضروب الأطعمة والأشربة والملابس والمآرب « 1 » التي يحتاج إليها ولا يستغنى عنها ، ووضع كلّ شيء من ذلك موضعه على صواب من التقدير ، وحكمة من التدبير ، فجعلوا يترددون فيها يمينا وشمالا ، ويطوفون بيوتها ادبارا واقبالا ، محجوبة أبصارهم عنها ، لا يبصرون بنية الدار ، وما اعدّ فيها ، وربما عثر بعضهم بالشيء الذي قد وضع موضعه ، وأعد للحاجة اليه وهو جاهل للمعنى فيه ، ولما أعد ، ولماذا جعل ذلك . فتذمّر وتسخط ، وذم الدار وبانيها ، فهذه حال هذا الصنف في انكارهم ما

--> ( 1 ) المآرب : الحوائج .